القاضي عبد الجبار الهمذاني
464
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فإن قال : إن العبد إذا شاهد السبع ، فالذي لأجله صار ملجأ معرفته بحاله وبما يخاف من المضرة من قبله . وهذه المعرفة من قبله تعالى ؛ فهلا كان العوض بأن يجب عليه تعالى أولى ؟ قيل له : إنا لا نعتبر في باب الإلجاء إلا بنفس السبب الّذي به يثبت الإلجاء دون المقدمات التي لا بد منها لكي يكون ذلك السبب ملجئا . وهذا كما نقوله في تعليق الأحكام بالعلل أن المعتبر هو ما به يثبت الحكم دون ما يتقدم وإن كان لا بد منه ولولاه ما حصلت العلة . فإذا صحت هذه الجملة وعلمنا من حال علومه « 1 » بالسبع وأنه جهة الخوف وسائر الأحوال ، أنه قد يحصل ولا يحصل ملجأ حتى إذا أقبل السبع عليه ثبت الإلجاء ، علمنا أن إقباله هو المسبب دون ما تقدم . فلذلك لم نقل بوجوب العوض فيما يلحقه من المضرة بالهرب من السبع على اللّه تعالى . وأما إبطال قول من يقول هلا كان العوض عليه تعالى لأنه مكن السبع وجعله مشتهيا إلى ذلك ، فسيجيء من بعد . فإن قال : فيجب في كل ما ألجأ تعالى أن يحسن إذا كان قد تضمن به العوض ، وهذا يوجب عليكم القول بأنه متى اضطر إلى أكل أو تناول بعض الحيوان يكون ذلك حسنا منه . قيل له : إن الّذي صدرت به / سؤالك صحيح ، لأنه تعالى إذا ألجأ إلى مضرة فقد وجب حسنها لا محالة ؛ لأن الإلجاء آكد من الإباحة على ما قدمناه . وأما ما سألت عنه من الإلجاء إلى إتلاف غيره ، فذلك لا يصح ؛ لأن العاقل قد علم قبح ذلك وأنه ظلم ، فلا تثبت ، والحال هذه ، طريقة الإلجاء . وكذلك إتلاف مال الغير . ولهذه الجملة لا يقبح من المضطر أن يتناول طعام غيره
--> ( 1 ) أي علمه .